فخر الدين الرازي
116
القضاء والقدر
الفصل الثاني في التمسك بالآيات المشتملة على لفظ « الخلق » الكلام في تقرير هذا المطلوب ، يستدعي تقديم مقدمة في لفظ « الخلق » فنقول : لفظ الخلق ، جاء بمعنى الإحداث تارة ، وبمعنى التقدير أخرى « 1 » .
--> ( 1 ) لفظ « خلق » ورد في « لسان العرب » بعدة معاني قال العلامة ابن منظور : « الخلق في كلام العرب ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه . . . قال أبو بكر من الأنباري : « الخلق في كلام العرب على وجهين : أحدهما الإنشاء على مثال أبدعه . والآخر التقدير . وقال في قوله تعالى ( أحسن الخالقين ) أحسن المقدرين . كذلك قوله وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً أي تقدرون كذبا . وقوله تعالى أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ خلقه تقدير ولم يرد أنه يحدث معدوما . وقال ابن سيده : خلق اللّه الشيء يخلقه خلقا أحدثه بعد أن لم يكن . وقوله عز وجل فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ . قيل معناه دين اللّه . لأن اللّه فطر الخلق على الإسلام وخلقهم من ظهر آدم عليه السلام كالذرّ . . وأما قوله تعالى لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ فقد قال قتادة : لدين اللّه وقيل : معناه أن ما خلقه اللّه هو الصحيح لا يقدر أن يبدل معنى صحة الدين . . . والخلق : التقدير وخلق الأديم يخلقه خلقا : قدره لما يريد قبل القطع وقاسه ليقطع منه مزادة أو قربة أو خفا . والخلق : الكذب وخلقه الكذب والإفك يخلقه وتخلّقه واختلقه وافتراه : ابتدعه ومنه قوله تعالى وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً . ويقال : هذه قصيدة مخلوقة أي منحولة إلى غير قائلها وخلق الشيء الشيء خلوقا وخلوقة وخلوقة وخلق خلاقة وخلق واخلق إخلاقا واخلولق : بلى . . . وشيء خلق : بال . . وأخلق الدهر الشيء : أبلاه . . . والخلق : كل شيء مملّس . وسهم مخلّق أمس مستو . والخلقة : السحابة المستوية المخيلة للخطر . وخلق الشيء خلقا واخلولق املاسّ ولان واستوى . والخلوق والخلاق : ضرب من الطيب . وقد تخلق وخلقته : طليته بالخلوق . والخلق : المروءة . . وهو خليق له : أي شبيه . . . والخلاق : الحظ والنصيب من الخير والصلاح . يقال : لا خلاف له في الآخرة قال تعالى وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ » ( لسان العرب - باختصار مادة « خلق » 2 / 1243 - 1248 ) وانظر أيضا المفردات في غريب القرآن للراغب الأصبهاني ( 157 - 158 ) وقاموس القرآن للدامغاني 162 . وهكذا فإن معاني الخلق على وجه الاختصار : 1 - الإيجاد من العدم . وبغير مثال سبق . ولا يوصف إلا اللّه تعالى بذلك . قال تعالى أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ وقال عز وجل هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ . 2 - التقدير . وهو يصل معنى الفعل ومنه قوله تعالى فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ وقوله خَلَقُوا كَخَلْقِهِ أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ . . . 3 - الدين والفطرة وأصل الخلق الإنساني كقوله تعالى فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ . 4 - الكذب والتخرص . ومنه قوله سبحانه إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ وقوله وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً . 5 - التصوير . ومنه قوله عز وجل في تفسير إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ . 6 - الجعل قال تعالى وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ أي جعل .